البلاغةُ العربية

 أصولُها وامتداداتُها

مشروعٌ قراءة نسقية

                    حوار مع الأستاذ محمد العمري

 

حاوره:          

محمـد الولي  

 وإدريس جبري

تقديم المحاورين

 

يرجع اهتمام الدكتور محمد العمري بالفكر البلاغي إلى أواسط السبعينات، عندما قرر أن يحقق كتاب: المسلك السهل في شرح توشيح ابن سهل، لمحمد الإفراني المراكشي. مند ذلك الحين قطع الباحث على نفسه إعادة قراءة البلاغة العربية، من مراصدها المختلفة، تحفظ لهذا التراث الضخم نسقيته وتكشف عن بنياته الناظمة، وبالتالي إنجاز كتابة تاريخ أشكال الشعر العربي القديم، ومحاصرة بنيته الصوتية ثم كتابة تاريخ جديد لهذه البلاغة، من موقع الموازنات الصوتية. وأخيرا، تعميق الدرس البلاغي العربي وترتيب مباحثه وربط حلقاته ورصد أصوله، وبناء مساراته الكبرى. وذلك عبر التمييز بين المشروع والمنجز والمركز والهامش والمنسق والمخلخل... لتحقيق غاية قصوى، تتمثل بالأساس في فتح موقع لهذه البلاغة العربية في تاريخ البلاغة العالمية. وهو الهدف المضمر الذي من أجله ألف الدكتور محمد العمري كتابه: البلاغة العربية، أصولها وامتداداتها.

وبمناسبة صدور هذا الكتاب المتميز (عن دار أفريقيا الشرق 1999)، ارتأينا أن ننجز حوارا مع الباحث لتسليط بعض الأضواء على قضايا المنهج والمفاهيم القرائية والأسئلة البلاغية وواقعها و آفاقها، لعله يسعف القارئ على إدراك الهم القرائي الذي يحرك المؤلف، ولكنه حوار، لا يغني عن قراءة الكتاب بصفحاته الخمس مائة وأربعة وأربعين.

 

نص الحوار

 

 صدر لكم مؤخرا كتاب ضخم في: البلاغة العربية، أصولها وامتداداتها بهذه المناسبة نود أن نسألكم عن الموقع الذي يشغله هذا الكتاب المتميز في مشروعكم البلاغي الأسلوبي؟.

 

كتاب: البلاغة العربية أصولها وامتداداتها، هو في الواقع امتداد لكتيب صغير سابق هو: الموازنات الصوتية في الرؤية البلاغية. وهو جزء من المشروع العام في دراسة: البنية الصوتية في الشعر العربي. فخلال إنجاز الجزء التاريخي من ذلك المشروع وجدت نفسي أمام خطاطة تصنف البلاغة العربية من خلال موقعها من الأصوات والإيقاع عامة. وقد يجد القارئ تلك الاتجاهات نفسها، أو مع شيء من التعديل في كتابنا: البلاغة العربية، ولذلك، حين طبع كتاب: الموازنات الصوتية، كانت النية أن أنجز بعد البنية الصوتية في التراث القديم، البنية الدلالية. ثم جاءت ظروف محايثة رجحت التاريخ، أي التأريخ للبلاغة العربية، على البحث في موضوع الدلالة. ذلك بعد تزايد الاهتمام بالتلقي في الثمانينات، على حساب الاهتمام بالبنيات، وظهر أن جمالية التلقي تسعف في فهم البلاغة العربية وإنصافها في الوقت نفسه. الأمر الذي يتجلى مثلا في القراءة العربية للتراث اليوناني، فهذا سبب منهاجي يتعلق بتطور مجال البحث.

وكان هناك أيضا عنصر آخر هو بيداغوجي، ربما يدخل في إطار مسؤولية الباحث، وهو ما لاحظته في الندوات العلمية وعند الطلبة من خلط في الآراء والتوجهات البلاغية العربية القديمة، نظرا لغياب الأنساق وعدم إدراك تاريخ البلاغة العربية بشكل مجمل.

هذه الظروف، هي التي جعلتني أتوجه في هذا الاتجاه متأثرا بالترجمات والقراءات السابقة المختلفة في البلاغة العربية.

 

على ذكر القراءات السابقة، ماهي مكانة كتابكم: البلاغة العربية، في سياق المحاولات القرائية السابقة للبلاغة العربية؟.

 

أشرت فيما سبق إلى الخلط الناتج عن عدم وجود تاريخ عام يقدم خطاطة لكل منطلقات البلاغة العربية ومساراتها الكبرى، لا ليقول الكلمة الأخيرة، بل ليسمح بإدراك المشاريع والمنجزات، ووضع خطاطات عامة ودالة بين يدي القراء. أما الكتب التي الفت في الموضوع على أهميتها وإفادتها فيما رصدت له،فلم تحقق الهدف (من رسم خريطة عامة للبلاغة العربية) بقدر من التوازن والتناغم. وكما أشرت في مقدمة كتاب: البلاغة العربية، كانت القراءة الأولى وصفية تلخيصية، وأحسنها عمل الدكتور شوقي ضيف: البلاغة العربية تطور وتاريخ، وقد انتفعنا من قراءته. أما القراءة الثانية، فقد تمت من منظور حداثي لساني، واذكر بالخصوص، كتاب الدكتور حمادي صمود: التفكير البلاغي عند العرب، ولكنه على أهميته وعلى اهتمامه بالقراءة، كان أميل إلى المصطلح اللساني، ركز حسب اختياره على لحظتي الجاحظ والجرجاني، وظلت اللحظات الأخرى   تنتظر من يملأها...

 

في محاولة لقراءة تاريخ البلاغة العربية، نجد أنفسنا بين جاذبيتين: جاذبية النصوص القديمة، وجاذبية الأدوات  التي نتوسل بها لقراءة هذه النصوص القديمة/ التراث كيف عالجتم هذه الإشكالية؟

 

الحقيقة، أنه لا كتابة خارج العصر، وهو ما نتفق عليه ونعرفه جميعا، وكلما تغيرت المعطيات، إلا ويلزم على الباحثين أن يعيدوا قراءة وتأويل التراث ما كان منه بعيدا وما التحق به، ليس لإسقاطه على الحاضر والاستغناء عنه، ولكن للتواصل معه وإعادة تأويله حتى لا يبقى عائقا أو بديلا للحاضر...

ومن الأكيد ان غياب الإمكانات العلمية والابستمولوجية الآنية، تجعل المؤرخ القارئ عاجزا عن التخلص من إسار ذلك الماضي ومن إعادة تأويله فيكتفي باستجلابه أو نفيه على الإطلاق، والاتجاهات مغوقان... 

لقد سعينا، قدر المستطاع، إلى احترام استقلالية التراث وأسئلته، ثم أخذنا الحرية، بعد الاستماع إليه، في تأويله أقترح عليه  أسئلة نطرحها من عصرنا لمد الجسور. ولذلك تلاحظون أن العمل لم يقم على اقتطاف عناوين وأفكار وشواهد من هنا وهناك. وهذا مشروع في المستقبل، ولكن اعتمد على ما أسميته، المشاريع والمنجزات. فاحترمت عمل كل مؤلف فيما اقترحه وما صرح به، ثم حاولت بناء عمله بطريقتي لأقول له، ولنفسي، أن ما صرحت به، شيء، وما أنجزته شيئ آخر. فمثلا ابن سنان الخفاجي، لم ينجز إلا جزءا مما صرح به[...].     

هذه الطريقة في الكتابة مفيدة في بناء هذا التراث بناء يساعد على الاستماع إلى اللحظات الكبرى الفاعلة. يبقى بعد ذلك ان نتساءل عن كيفية الربط بين الماضي والحاضر... أو بين النصوص القديمة، والأسئلة الحاضرة...

 

وماذا بعد؟

 

المطلوب الآن في الواقع، إذا توضحت المنجزات البلاغية العربية، بقدر كاف، ان نحاول فتح موقع لنا في تاريخ البلاغة العالمية. ان نخرج من ذلك التاريخ الذي يقفز من أرسطو إلى الشكلانيين الروس أو من البلاغة العربية القديمة إلى البلاغة العربية الحديثة. فتقديمنا لقراءة الفلاسفة العرب لأرسطو وصولا إلى مفهوم التغيير عند ابن رشد، هي ورقة في يد الدارسين الذين سيؤولون الموضوع فيما بعد: وهم على علم بالبلاغة العربية، ليعلموا أن هناك حلقة مغيبة، وان هناك تاريخا غير عقلاني ومبتور للبلاغة العالمية. وان السؤال البلاغي أي ما الذي يجعل نصا أبلغ من نص؟هذا السؤال يحاور بعض الأسئلة التي اعتبرت جديدة كما طرحت عند الشكلانيين الروس سؤال قديم جديد في هذا المجال ان نبرهن ان هذا أول، وذاك تال، لابد من احترام التاريخ العالمي للبلاغة. العرب قرأوا الإغريق في ضوء تراثهم فنشأت عن قراءاتهم لحظة تاريخية، وفي هذه اللحظة يبرز ابن رشد أيضا، الذي يحتفل به في كل أماكن العالم باعتباره أحد أعلام التنوير ومن تنويرا ته عمله البلاغي ...

 

 تعليق الأستاذ الولي: هذا ما يذكرني بكتاب مولينو، وهو يحاول ان ينتقد أولئك الذين يتحدثون عن إقامة بلاغة عامة في غياب البلاغة العربية [...]

.

 إقصاء البلاغة العربية، إفقار للتراث البلاغي العالمي.

 

 نعود بكم الأستاذ محمد العمري إلى البداية، ونسألكم: لماذا البلاغة العربية أصولها وامتداداتها، عوضا عن تاريخ البلاغة العربية؟

 

  التاريخ تواريخ، فهناك تاريخ التراجم والطبقات، وهناك تاريخ الأشكال وقد سعيت إلى بيان أي نوع من التاريخ أقصد، ولذلك آثرت: "أصولها وامتداداتها"، الترجمة لنوع التاريخ الذي قصدت إليه.

 

عدتم إلى سنة متأصلة في التأليف العربي القديم، ونقصد خطبة الكتاب، ومن خلالها، فسحتم مساحتين: مساحة للقارئ المفترض، ومساحة خاصة لكم، فلماذا أحياء هذه السنة في التأليف العربي القديم، وماهي الإمكانات التي أتاحتها لكم بدلا عن التقديم والتمهيد أو غيرهما.

 

"خطبة" كتاب البلاغة العربية، هي عودة لذلك التقليد القديم الذي يتواصل فيه المؤلف مع القارئ في لحظة موجزة. وقد حبذتها لأنها تخرجنا من إطار تلك المقدمات الطويلة التي تستغرق عشرات الصفحات في الحيثيات والظروف من كلام متعب لا طائل منه. فحصرت خطبة الكتاب في صفحتين، وهو تقليد شرعت فيه ابتداء من تحقيق كتاب: المسلك السهل  لمحمد الافراني. خطبة أعطي فيها صفحة للقارئ وأبين له فيها بعض النوايا والهموم التي احملها إزاءه وماذا أريد أن أبلغه. وأيضا أتواصل معه وجدانيا، وأحس أن هناك حاجة ليحس القارئ بالشخص الذي يخاطبه قي الكتاب مرة واحدة، لكي يغيب نهائيا. ولذلك ربما سيلاحظ القارئ كما كنت أتمناه من غيابي كإنسان داخل الكتاب كشخص ينازع من اجل شخصه أو من أجل إلغاء الآخرين. وتلك الصفحات التي تجاوز أكثر من خمس مائة صفحة هي شفاء من ذلك الداء: داء الحضور في كل الصفحات. ولذلك حرصت على ألا يكون في الكتاب سجال أو إلغاء للآخرين. فهناك أطروحات مناقضة لأطروحات أخرى، ولكن لا تدخل معها في كلام مباشر، ولا تلمح إليها بأي شكل من الأشكال. واعتقد ان تلك الخطبة- بلفظها ذاك- ستكون خفيفة على القارئ لأنه في حل منها حين يسمع أنها خطبة لي، فيمكن ان يتصور أنه غير معني بها، ولكن أنا متأكد انه سيقرأها...        

 

القارئ لكتابكم الصادر عام 1991 الموازنات الصوتية في الرؤية البلاغية، نحو تاريخ جديد للبلاغة العربية، يمكن ان يعتبره مقدمة لكتابكم الأخير، البلاغة العربية أصولها وامتداداتها 1999، أي علاقة يمكن ان تربط بين الكتابين؟

 

" البلاغة العربية" أشمل، في حين ان كتاب:الموازنات الصوتية، يهتم بالرؤية إزاء مكون محدد وسيلتقي القارئ مع الأفكار الواردة في البلاغة العربية مع مزيد من التعميق في بعض الحالات. مثلا سيلتقي القارئ بحديث أوسع عن الخلفية الكلامية للتوجه الصوتي أو الدلالي خاصة في مقدمة الباب الثاني، في حين توسعنا في آثار الاعتقاد المعتزلي والأشعري حول طبيعة كلام الله: هل هو أصوات أم معان؟في إقصاء الأصوات أو الاهتمام بها حسب موقع البلاغي. فإذن، فكتاب: البلاغة العربية، لايغني عن كتاب: الموازنات الصوتية، ولكن يغنيه. كتاب الموازنات كتاب إشكالي أولا في حين أن البلاغة العربية بناء نسقي مفسّر

 

  خصصتم ملحقين متميزين في كتابكم: البلاغة العربية- الملحق الأول، في فصل المقال بين تصوركم لمفهوم البيان، وتصور الدكتور محمد عابد الجابري. فهل هناك توضيحات في هذا الشأن؟! وفي الملحق الثاني، محاولتكم في بناء القسم المفقود من كتاب: منهاج البلغاء وسراج الأدباء، لحازم القرطاجني، فهل يمكن لهذا البناء أن يؤثر في التصور العام السائد حول بلاغة حازم القرطاجني المعضودة بالمنطق والفلسفة؟!.

 

في الشق الأول من السؤال، يمكن أن أقول ان الأستاذ الجابري ينطلق من تصور عام مبني بالطريقة التي أراد في إطار تحليل العقل العربي. وطبعا البيان بالنسبة إليه هو أحد أضلاع المثلث: المعرفي البرهاني، والنظام المعرفي العرفاني، ثم النظام المعرفي البياني أو المعقول. فمفهوم البيان إذن عند الأستاذ الجابري، هو مفهوم في مقابل مفاهيم أخرى. ولذلك يطلب لهذا المفهوم ان يستوعب كل ما يعتبر سمة للعقل العربي [...] فهو يطلب التعميم. أما بالنسبة لي، وليس لدي تصور نظري شخصي للبيان، أنا أصف مفهوم البيان في التراث العربي، وأجدني أمام مفهومين: المفهوم الأول: هو الذي ظهر عند الجاحظ في كتابه: البيان والتبين، كمشروع طموح ولكنه أخفق كمنجز، واستأنفه ابن وهب في إطار نظرية عربية لإنتاج المعرفة ومعالجتها وتداولهــا. والمفهوم الثاني، عند السكاكي، وهو مفهوم جزئي يتعلق بمفهوم من مفاهيم المحاكاة عند الفلاسفة العرب أي جانب إنتاج الصورة اللغوية ذات البعد الحسي كالتشبيه والاستعارة والتمثيل. وهو ما يعبر عنه اليوم في كثير من المؤلفات بما يقابل Image في الثقافة الغربية. وطبعا هو المفهوم الذي يعرفه الدارسون في التعليم الثانوي والجامعي.

فأنا أنطلق من أن السؤال الذي طرحه الجاحظ وابن وهب ليس هو السؤال الذي طرحه الجرجاني في الأسرار. فالسؤال عند الجرجاني هو ما الذي يجعل نصا احسن من نص آخر؟. أما البيان عند الجاحظ فهو الفهم والإفهام بكل بساطة. فالسؤالان إذن مختلفان أي أن الاستشهاد للبيان الجاحظي بكلام الجرجاني يهمل هذا الفرق الابستمولوجي وإلا فإن البحث في أدبية النص موجود كذلك في تراث أرسطو (العقلاني)، وفي تراث جميع الشعوب، هذا هو الفرق.

 

بالنسبة للشق الثاني من السؤال المتعلق بترميم الجزء المفقود في كتاب حازم القرطاجني؟

 

لا يمكن الحديث نسقيا في إطار المشروع المنجز عن عمل حازم القرطاجني في منهاج البلغاء وسراج الأدباء، إلا بتمثل دعامته الرابعة التي هي القسم الأول المفقود. فكما بينت ذلك، هناك تكامل بين أقسام الكتاب. كل قسم يعتبر تكميلا للقسم الآخر، وغياب هذا الجزء من تلك البنية العضوية يحوِّل مشروع حازم إلى قطع غيار أي إلى وجهة نظر في المحاكاة ووجهة نظر في العروض، ووجهة نظر في الأسلوب...

يضيع بغياب ذلك القسم الكبير المفقود المشروع الذي شيده حازم العالم المتشبع بالفلسفة والتراث العربي معا، المشروع الذي سماه بلاغة كلية، وبلاغة معضودة.

وقد اتضح لي ان محاولة الحديث عن حازم القرطاجني بقطع النظر عن ذلك القسم المفقود سيصير نشازا في إطار المنهجية التي بني عليها الكتاب. ولذلك تتبعت كل الإشارات والنصوص والإحالات التي تسعف في إقامة هيكل ذلك الجزء، فتوصلت إلى بناء ذلك القسم بكل تفاصيله بدقة وتوثيق. الأمر الذي يطمئن الباحث إلى تصور هذا البلاغي الكبير...

 

  أقمتم كتابكم: البلاغة العربية، على مفهومين قرائيين عامين هما: البعد البيداغوجي، والبعد  التأويلي، فهل استطعتم إن تنجزوا بهذين المفهومين قراءة جديدة وشاملة للبلاغة العربية؟

 

  هناك بعد حجاجي كذلك في الكتاب، إلى جانب البعد البيداغوجي والتأويلي، كأني أبرهن على قضايا  مشكوك فيها، أركز أحيانا على التفاصيل (مثل التركيز على مدخل كتاب مفتاح العلوم للسكاكي) مع خطاطة مجسدة تكون حجة على ما أقول [] فالجانب الحجاجي مهم في جعل الحوار بناء، وأتمنى أن يكون هذا المنهج مسعفا للطلبة الباحثين لينظروا في المؤلفات بنفس الطريقة ليتحقق الحوار [] وهذا ما يشفع لي في إبعاد بعض الأعمال مثل عمل ابن رشيق، وعدم التوسع في عمل قدامة بن جعفر، فالأول ليس له طبخة شخصية والثاني ذو طبخة نقدية صرفة.

 

 عودة إلى البعد البيداغوجي في كتابكم، يلاحظ القارئ أنكم وظفتم وسائل بيداغوجية كثيـرة، نذكر منها الخطاطات والدوائر، والهوامش وغيرها، فهل يمكن إرجاع هذا الاهتمام بالبعد البيداغوجي إلى نظرية جمالية التلقي التي تحتفي بالقارئ أم هناك مبرر آخر؟.

 

  إذا نجحت فيما سعيت إليه، فإن همي الكبير هو ألا أقطع خيط تفكير القارئ بأي كلام زائـد ينسي الموضوع الذي يقرؤه. ولذلك عندما أحس بأن هناك حاجة إلى وصف طويل التجئ إلى الخطاطات أو الدوائر للتسهيل وطي الصفحة. وحين أحس أنه في حاجة إلى معلومات ولكنها تعرقل سير الكتاب أحولها إلى الحاشية. فالقارئ يمكن أن يسير بالسرعة التي يريد. ومن لحظة إلى أخرى يمكن أن ينزل إلى الحاشية ليرى ما فيها، ولن يجد في حالات كثيرة أشياء فضولية. وأنا أتجنب هذا الفضول في حدود تقديري. ولكن أتلافى أن تتحول الكتابة باللغة إلى مجرد كتابة صورية. فهذا مزعج، ولذلك لا أستعمل الرموز إلا نادرا.

 

كثيرة هي المفاهيم القرائية التي اعتمدتموها في إنجاز قراءتكم لأصول البلاغة العربية وامتداداتها.  فإلى أي حد استطاعت هذه المفاهيم القرائية أن تسعفكم في هذه القراءة؟.

 

لو حاولنا أن نحصي المفاهيم القرائية في الكتاب، سنجد أنها قليلة، لا تخرج عن النسق والبنية والمشروع والمنجز والقارئ والمقروء له ومفاهم أخرى تفريعية تدخل في إطار نظرية التلقي. واعتقد ان هذه المفاهيم ومفاهيم أخرى كالاختيار والتنسيق والمركز، والهامش وتحويل المركز، والتخليص ضرورية لفهم واستيعاب بنية الكتاب. وكذلك للانتقال من جزء إلى جزء آخر. مثلا هناك مسألة جوهرية. وهي ان الكتاب يمكن أن يقرا جزئيا أو مجزوءاً، ويمكن قراءته شموليا وذلك من أجل تكوين تصور شمولي. ولا يمكن لذلك ان يغني بعضُه عن بعض لأن التكرار فيه غير وراد. فالكتاب لا يعطي إمكانية التكرار، رغم انه مقسم إلى قسمين.

فخارج الفصول يمكن قراءة الكتاب عموديا في مسارين:

 المسار الأول الذي يبدأ من أبي عبيده إلى الجرجاني، أو من مجاز القرآن إلى دلائل الإعجاز. فإذا قرأ القارئ أبا عبيده فهو لم ينه مهمته، لأن الجرجاني يعود إلى أبي عبيدة، والطريق بينهما محطات: منها ابن جني كمؤول لبعض المصطلحات ومفاهيم اللغويين . وعلى جانب هذا المسار هناك نقاد الشعر والفلاسفة، استعمل الجرجاني أثرهم لتأويل ذلك الرصيد اللغوي وتحويلها إلى السؤال البلاغي [...]

والمسار الثاني: من الجاحظ إلى حازم القرطاجني. مسار تحليل الخطاب. وهو مسار مر في طريقه بكثير من المحطات من أهمها عمل ابن سنان الخفاجي ففي كتاب: سر الفصاحة مؤثرات قوية لنقد الشعر والفكر الفلسفي.

إذا فكرنا بهذه الطريقة، سنخرج من الكثير من الأسئلة الزائفة التي أهذر فيها عبثا حولها كثير من المداد وألفت فيه الكتب الضخمة، أي قضية الأثر وجوده من عدمه.

 

كتبتم في الطبعة الثانية من ترجمتكم لكتاب: البلاغة و الأسلوبية لهنريش بليث مايلي: " أتمنى ان يجد باحثون أكثر حيوية مني في كتابي: البلاغة العربية أصولها وامتداداتها ما يساعد على صياغة حديثة مركزة ودالة انطلاقا من البلاغة العربية بكل مكوناتها ومنجزاتها صياغة تضاهي صياغة هنريش بليث أو لتجاوزها مستفيدة منها"

 

 ماذا تقصدوان من هذا الكلام؟ وماهي مكانة مشروع هنريش بليث في إنجاز قراءتكم للبلاغة العربية في أصولها وامتداداتها؟

 

  عمل هنريش بليت عمل شديد التركيز هو عبارة عن خطة لا يمكن ملءُ خاناتها إلا من خلال تصور شمولي للبلاغة.، وأعتقد أني ساهمت بهذا الكتاب في تحقيق هذا التصور العام في بعديه التداولي والدلالي والتراكمي,.

 

 تحدثتم في أصول البلاغة العربية على مصدرين كبيرين هما: الاستكشاف من الداخل والاستكشاف  من الخارج. ما هو دور هذين المفهومين في رصد منابت البلاغة العربية وتربتها؟

 

  ساد في أوساط الدارسين البلاغيين، أن البلاغة العربية هي الوليد الشرعي للإعجاز القرآني،  وبالتالي، فالبلاغة العربية هي بلاغة إعجاز، في حين أنكم أثبتم وجهة نظر أخرى فهل يمكن ان تلقوا بعض الضوء على هذه القضية؟.

من جملة القضايا التي يعالجها كتاب: البلاغة العربية، دفع مثل هذا الوهم، ليس فقط من خلال بيان السؤال الذي أدى إليه البحث حول طبيعة النص القرآني وإعجازه.، وهو إيجاد عنوان قار وصندوق بريد للبلاغة العربية لأول مرة باعتبارها سؤالاًً في الشعرية أو الأدبية بمفهومها الحديث. ولكن أيضا لبيان المسارات الأخرى، غير الإعجازية منها: المسار الشعري، والمسار البياني. والمسار المحاكاتي...

فالتراث البلاغي العربي غني ومتنوع، وإنما اختزل في عصور الانحطاط التي ما تزال مستمرة في هذا المجال إلى اليوم، حيث ما نزال نصر على تدريس وجهة نظر بلاغي واحد هو السكاكي.

 

ما دمتم قد أثرتم واقع البلاغة العربية، وكيف اختزلت في وجهة نظر واحدة رسخها السكاكي والذين جاءوا بعده، ألا يمكن أن نتحدث عن معوقات أخرى في الدرس البلاغي العربي في مدارسنا وجامعتنا؟

 

المسالة تهم الجامعة خاصة. في إطار الوضعية السياسية التي عاناها العالم العربي في العقود الخمسة أو الستة الماضية، صارت الجامعة آخر ما يفكر فيه بالنسبة للدولة. ثم تفاقمت الأوضاع بعد النكسة بظهور انكسار تطبعه عودة إلى تقديس التراث أو نفيه. هذه الوضعية التي ما تزال سائدة إلى اليوم. والأصوات التي تقع بين هذه الأصوات يكاد لا يلتفت إليها. فالأمر يحتاج إلى تعاون مع بعض البلاد العربية التي شرعت في تغيير هذا الواقع، وعدم الارتهان- كما كان الحال- بالواقع المعرفي العربي الذي لا يزيد إلا سوءا في بعض المواقع.

لقد حاولت في مقالة: " البلاغة العامة والبلاغات المعممة"، أن أقدم تصورا يسعف الباحثيـن، وخاصة الطلبة، في فهم ما نقصد بالبلاغة على العموم، لكي تشمل كل ما أشرتم إليه من خلال محورين: محور تخييلي، ومحور تداولي. وهو تقسيم القدماء للكلام إلى شعر وخطابة. ونحن فضلنا التخييل والقدماء اعتبرته صفة للشعر، وذلك طبعا لكي نفرع عنه الشعر والحكي أو السرد لتكون البلاغة كل ما يدخل في التخييل شعرا وسردا وغيرها وكل ما يدخل في المجال التداولي الإقناعي.

فهذا المفهوم الشمولي ضروري.

 

هناك غائبون في كتابكم: البلاغة العربية، وغيابهم يثير كثيرا من التساؤلات ويتعلق الأمر على سبيل المثال بابن رشيق والسجلماسي والافراني وابن البناء المراكشي وغيرهم، هل هناك مبرر لهذا الغياب؟

 

كما ذكرت في جواب سابق، فالمنهج الذي اتبعناه، هو قراءة المشاريع والتركيز على المؤلفات أو مجموعة كتب، والاقتصار على المشاريع الأكثر فعالية. فهناك غياب ابن رشيق وغيابه نابع من كونه لا يصدر عن مشروع. الافراني يدخل في إطار البلاغة التطبيقية وليس لديه نظرية شاملة في البلاغة. أما السجلماسي فقد دخل في إطار تصور البديع، وهذا موقعه وهو أول من لمس مشكل ضياع نسق البديع فحاول إعادته إلى النظام أو إعادة النظام إليه.

فاللحظات الكبرى، كما هو معلوم، هي مسارات للبلاغة العربية، ومداخلها هي الشعر والنحو والبديع واللغة والنص القرآني، وتأويل الغريب والخصومات الأدبية... كما ان هناك البيان كنظرية المعرفة، ثم قراءة العرب للتراث اليوناني... كلها مصادر أخذت أعلامها الذين بسطوا ظلهم على غيرهم، حتى قدامة بن جعفر يستحق اكثر مما أعطيناه، ولكنه مزاحم في موقعه، بصاحب البديع ابن المعتز، والعسكري والسجلماسي وابن منقد... بالنسبة للإمتدادات فالحقيقة  ان تخليص خطاطة الجرجاني كان صعبا، يتطلب حيزا أكبر  مما سمح به حجم الكتاب وتوازن مواده. وكذلك الأمر بالنسبة لحازم القرطاجني  والسكاكي، ولذلك فضلنا ان نعطي فلسفة الرجلين وخطهما العام مقدين بذلك مدخلا منهاجيا لقراءة نسقية دالة لعملهما.

 

وما هي المهام المتأخرة والمنتظرات المتوقعة. هل هناك قراءة مرتقبة أم أن الأمر رهين بالمستجدات المنهاجية والنظرية؟.

 

كنت شرعت في تخطيط "مداخل لقراءة الشعر العربي"، بل قطعت أشواطا في إنجازه غير أن النص الخطابي الحديث فرض نفسه كأولوية تبعا للحركية القوية التي عرفها مجال التواصل والحوار. وقد تجمعت لدي مواد بعضها منشور في الصحافة وبعضها في طريق النشر، وقد رتبتها في صيغة كتاب سيكون توأما وأخا شقيقا لكتاب في بلاغة الخطاب الإقناعي، مع تركيز اللاحق على الإعنات والمغالطة في مقامات الأخذ والعطا. 

1